/ الفَائِدَةُ : (85 / 352) /
04/05/2026
بِسْمِ اللّٰـهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ، وَصَلَّى اللّٰـهُ عَلَىٰ مُحَمَّدٍ وَآلِهِ الطَّاهِرِينَ ، وَاللَّعْنَةُ الدَّائِمَةُ عَلَىٰ أَعْدَائِهِمْ أَجْمَعِينَ . [ عُسْرُ التَّفْكِيكِ بَيْنَ العَنَاوِينِ الـمَعْرِفِيَّةِ وَمُوجِبَاتِ الدُّرْبَةِ العِلْمِيَّةِ ] [عُسْرُ التَّمَايُزِ بَيْنَ الـمَفَاهِيمِ الأَخْلَاقِيَّةِ وَالـمَعْرِفِيَّةِ وَضَرُورَةُ الضَّابِطِ الشَّرْعِيِّ] [مَنَاهِجُ الفَرْزِ المَعْرِفِيِّ: بَيْنَ جَفَافِ التَّجْرِيدِ الفَلْسَفِيِّ وَسَعَةِ البَيَانِ الوَحْيَانِيِّ] [مُعْضِلَةُ التَّمَايُزِ بَيْنَ العَنَاوِينِ الأَخْلَاقِيَّةِ وَالمَعْرِفِيَّةِ: نَقْدُ المَنْهَجِ المَشَّائِيِّ وَأَصَالَةُ التَّسْدِيدِ الوَحْيَانِيِّ] إِنَّ فَرْزَ وَتَمْيِيزَ العَنَاوِينِ ذَاتِ الطَّابَعِ الأَخْلَاقِيِّ وَالمَعْرِفِيِّ وَالعَقَدِيِّ بَعْضِهَا عَنْ بَعْضٍ ـ تَنْظِيراً وَتَطْبِيقاً مِنْ حَيْثُ الآلِيَّاتِ ـ يُعَدُّ مِنْ أَعْضَلِ المَسَائِلِ شَأْناً ؛ بَلْ هِيَ الـمُعْضِلَةُ الَّتِي حَيَّرَتْ فُحُولَ عُلَمَاءِ الأَخْلَاقِ وَالمَعَارِفِ ، بَلْ وَأَرْبَابَ اللُّغَةِ وَالبَيَانِ . وَهِيَ عَمَلِيَّةٌ حَرِيَّةٌ بِأَنْ تَسْتَدْعِيَ تِجْرِبَةً مَدِيدَةً ، وَدُرْبَةً رَاسِخَةً ، وَاسْتِقْرَاءً شَامِلاً لِلْمَبَانِي ، مَعَ تَنْظِيرٍ دَقِيقٍ وَنَظَرٍ نَافِذٍ ثَاقِبٍ . فَكَثِيرٌ مِنْ عَنَاوِينِ الفَضَائِلِ وَالرَّذَائِلِ يَتَعَاطَاهَا المَرْءُ وَيَتَلَقَّاهَا بِمَدَارِكِ فِكْرِهِ وَمَسَامِعِ ذِهْنِهِ بِنَوْعٍ مِنَ الإِبْهَامِ البَهِيمِ وَالإِجْمَالِ الـمُشَوَّشِ ؛ وَمِنْ ثَمَّ شَرَّعَ الشَّارِعُ المُقَدَّسُ آدَاباً لِكُلِّ حَرَكَةٍ وَسُكُونٍ ؛ كَيْلَا يَتِيهَ العَبْدُ فِي مَفَازَاتِ الظُّنُونِ أَوْ تَلْتَبِسَ عَلَيْهِ الـمَقَاصِدُ ؛ فَقَدْ تَكُونُ نِيَّتُهُ سَلِيمَةً فِي أَصْلِهَا ، لَكِنَّهُ قَدْ يَتَوَسَّلُ ـ اشْتِبَاهاً ـ بِآلِيَّاتٍ تَسُوقُهُ إِلَى رِحَابِ الرَّذِيلَةِ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُ . [ مَنْهَجِيَّةُ الفَرْزِ بَيْنَ العَنَاوِينِ : تَنْظِيراً وَتَطْبِيقاً ] وَالْفَرْزِ بَيْنَهَا : أَمَّا تَنْظِيراً : فَيَتَحَقَّقُ عَبْرَ الِاحَاطَةِ التَّامَّةِ بِالـمَبَاحِثِ اللُّغَوِيَّةِ ، وَالـمَعْرِفِيَّةِ ، وَالأَخْلَاقِيَّةِ ؛ ثُمَّ العُرُوجِ إِلَى مَنَصَّةِ بَيَانَاتِ الوَحْيِ ، لِاسْتِقْرَاءِ الضَّوَابِطِ الـمُهَيْمِنَةِ الَّتِي تَحْكُمُ مَدَارَاتِ الفَضَائِلِ وَالرَّذَائِلِ بِدِقَّةٍ سَابِرَةٍ . وَأَمَّا تَطْبِيقاً : فَمَلَاذُهُ الـمُؤَكَّدُ هُوَ الِارْتِكَازُ إِلَى بَيَانَاتِ الوَحْيِ نَفْسِهَا ؛ إِذْ إِنَّ جُمْهُورَ البَشَرِ ـ وَإِنْ بَلَغُوا شَأْواً فِي العِلْمِ ـ يَعْزُبُ عَنْهُمْ فَهْمُ "آلِيَّاتِ التَّنْزِيلِ" لِهَذِهِ الـمَفَاهِيمِ ؛ فَالـمُتَصَوِّفَةُ وَالعُرَفَاءُ غَالِباً مَا يَجْهَلُونَ دَقَائِقَ الآدَابِ الـمَكَارِمِيَّةِ ، وَالسِّيَاسِيُّونَ وَالوُلَاةُ يَنْأَوْنَ عَنْ جَادَّةِ الآدَابِ السِّيَاسِيَّةِ الـمُسَدَّدَةِ ، وَأَرْبَابُ الأُسَرِ يَفْتَقِرُونَ إِلَى مَنَاهِجِ الرِّعَايَةِ الأُسَرِيَّةِ ، وَكَذَا أَهْلُ السُّلُوكِ الفَرْدِيِّ فِي طَرَائِقِهِمْ ، وَهَلُمَّ جَرًّا . وَفِي هَذَا بُرْهَانٌ سَاطِعٌ ، وَبَيَانٌ قَاطِعٌ عَلَى ضَرُورَةِ : "التَّوْحِيدِ ، وَالوَحْيِ ، وَالنُّبُوَّةِ ، وَالرِّسَالَةِ ، وَالإِمَامَةِ ، وَالـمَعَادِ" ؛ بِاعْتِبَارِهَا الـمَنْظُومَةَ الـمَعْصُومَةَ الَّتِي تُسَدِّدُ حَرَكَةَ الإِنْسَانِ فِي جُمْلَةِ عَوَالِمِهِ . [مُتَابَعَةُ الْبَاحِثِ لِعَنَاوِينِ بَابِ الْفَضَائِلِ وَالرَّذَائِلِ مُفِيدَةٌ جِدًّا] [عُمُومِيَّةُ اللُّغَةِ الأَخْلَاقِيَّةِ فِي بَيَانِ الـمَعَارِفِ الِاعْتِقَادِيَّةِ] ثُمَّ إِنَّ مُتَابَعَةَ الْبَاحِثِ لِمُفْرَدَاتِ الْعَنَاوِينِ فِي أَبْوَابِ (الْمَكَارِمِ الْأَخْلَاقِيَّةِ) وَأَبْوَابِ (الرَّذَائِلِ) ـ تَنْظِيراً وَمَفْهُوماً لُغَوِيّاً ـ سَتَرْفِدُ لَا مَحَالَةَ بُحُوثَهُ النَّظَرِيَّةَ فِي حُقُولِ الِاعْتِقَادِ وَالـمَعْرِفَةِ وَالتَّرْبِيَةِ رَفْداً جَسِيماً ؛ ذَلِكَ أَنَّ اللُّغَةَ النَّفْسَانِيَّةَ وَالأَخْلَاقِيَّةَ ، بَلْ وَالبَدَنِيَّةَ ، هِيَ مِنْ جُمْلَةِ أَلْسِنَةِ الـمَعَارِفِ الَّتِي يُمْكِنُ أَنْ تُصَاغَ بِهَا الِاعْتِقَادَاتُ فِي كَافَّةِ أَبْوَابِهَا . [ نَقْدُ الِانْحِصَارِ الـمَشَّائِيِّ وَبَيَانُ عَالَـمِيَّةِ اللُّغَةِ النَّفْسِيَّةِ ] وَمِنْهُ يَنْجَلِي : بُطْلَانُ مَا تَوَهَّمَهُ فَلَاسِفَةُ (الْمَشَّاءِ) مِنْ حَصْرِ الْأَهْلِيَّةِ الْبَيَانِيَّةِ لِلْعُلُومِ الْفَلْسَفِيَّةِ فِي "لُغَةِ الْعَقْلِ النَّظَرِيِّ" حَصْراً ؛ إِذْ تَقْضِي صَرِيحُ بَيَانَاتِ الْوَحْيِ بِأَنَّهَا مُجَرَّدُ لِسَانٍ مِنْ بَيْنِ أَلْسِنَةٍ شَتَّى ، بَلْ لَعَلَّ "اللُّغَةَ النَّفْسِيَّةَ" أَعْظَمُ شُمُولاً وَأَقْرَبُ فَهْماً لَدَى عَامَّةِ الطَّبَقَاتِ الْبَشَرِيَّةِ مِنْ تِلْكَ اللَّغَةِ الَّتِي يَظُنُّ الْبَعْضُ ـ لَا سِيَّمَا الْفَلَاسِفَةُ ـ وَهْماً أَنَّهَا لُغَةٌ عَالَمِيَّةٌ ؛ وَإِنَّمَا عَالَمِيَّتُهَا مَحْصُورَةٌ فِي نُخَبِ التَّجْرِيدِ الْعَقْلِيِّ ، بَيْنَمَا تَعْجِزُ عَنْ فَهْمِهَا النُّخَبُ الْأُخْرَى لِمَا لَحِقَهَا مِنْ جَفَافٍ ، وَاعْتَرَاهَا مِنِ انْغِلَاقٍ وَتَعْقِيدٍ . وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ الأَطْهَارِ